أحمد ياسوف
96
دراسات فنيه في القرآن الكريم
غامض الأسباب ، فهم - وإن أفاضوا وفصّلوا القول - يعودون عفوا إلى شيء من الإجمال والتعميم ، ويلقون بعبارات عامة ، ولعلّ منشأ هذا تقدّم العاطفة الدينية على النظر الفني . والخطابي من أوائل من درس البلاغة القرآنية في رسالته الوجيزة « البيان في إعجاز القرآن » لأن سابقه أبا عبيدة جمع أمورا لغوية في « مجاز القرآن » ، ولم يكن الإعجاز البياني صلب دراسته ، ولا سنام كتابه ، بل خطرت فيه لفتات بسيطة ، وذلك لأن القصد فيه كان تفسيرا لغويا ، وعودة بالكلمة المجازية إلى حقل الحقيقة . ويتمثل الإعجاز البياني عند الخطابي في ثلاثة محاور : اللفظ في شكله ، ومضمونه ، والنظم ، فقد قال عن البلاغة : « اللفظ الحامل ، والمعنى القائم ، ورباط لهما ناظم » « 1 » . ولربما بسط القول وأسهب في هذه القاعدة الكلية ، ومن ثمّ سال بيانه في مديح الآيات ، مع صغر حجم رسالته ، مما أضعف من التعليل العلمي ، فنحن نقرأ في رسالته مثل قوله : « جاء بأفصح الألفاظ ، في أحسن نظوم ، مضمنا أصحّ المعاني » « 2 » . ويتكرر هذا القول في رسالته بهذه الصيغة المجملة ، ويبدو أنه يعتمد في المقاييس على فنون البلاغة من غير أن يشرحها . وعلى الرغم من أنه يقدم تحليلات في طيّات رسالته ، ينظر إليها بإجلال وتقدير ، بيد أنه لا يربط بين القاعدة والتطبيق ، فما نلمسه من جماليات عنده نجده في دفاعه الصادق المتمكّن عن أسلوب القرآن ، والرد على شبهات الزنادقة التي رموا بها القرآن الكريم ، مدّعين سوء
--> ( 1 ) ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص 24 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 4 .